هل الفن حرام..أحمد دقدق يعيد فتح الجدل بعد وصيته بحذف أغانيه عقب وفاته

أعاد رحيل مطرب المهرجانات الشاب أحمد دقدق فتح واحد من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في الوسطين الفني والديني: هل الفن عمل مشروع أم عبء يسعى بعض الفنانين للتخلص منه بعد الموت؟
فبعد إعلان وصية دقدق بحذف أغانيه عقب وفاته، تصاعد النقاش مجددًا حول نظرة بعض الفنانين إلى ما قدموه خلال حياتهم، وما إذا كان الغناء يمثل “ذنبًا مستمرًا” أم رسالة فرح وبهجة للناس.
الجدل لم يكن جديدًا، إذ يتكرر تقريبًا مع كل وفاة لمطرب أو مؤدٍ من تيار المهرجانات، لكن هذه المرة جاء أكثر حدة بسبب صغر سن الراحل، وشعبيته، وتعلّق جمهوره بأعماله.
وصية قبل الرحيل تشعل النقاش
بدأت القصة عندما أعلن الفنان شحتة كاريكا، أحد أقرب أصدقاء الراحل، أن أحمد دقدق أوصاه صراحة قبل وفاته بـ مسح أغانيه بعد رحيله.
دقدق، الذي رحل عن عمر 30 عامًا بعد صراع دام عامًا مع سرطان المخ، شيعت جنازته من مسجد عمر بن الخطاب بمنطقة المرج، ودفن بمدينة نصر وسط حالة من الحزن بين أصدقائه ومحبيه.
وخلال مداخلة هاتفية في برنامج «كلمة أخيرة» على قناة ON، أكد كاريكا أن صديقه كان يعيش حالة مراجعة نفسية عميقة في الفترة الأخيرة من حياته، وكان كثيرًا ما يردد رغبته في التوقف عن الغناء، معتبرًا أن “كل شيء سيكون أمانة أمام الله”.
بين التوبة والفن.. قراءة مختلفة للوصية
يرى متابعون أن وصية دقدق لا تعني بالضرورة إدانة للفن بقدر ما تعكس صراعًا داخليًا إنسانيًا عاشه شاب في مواجهة المرض والموت، وهي لحظات تدفع كثيرين لإعادة تقييم حياتهم وأفعالهم.
في المقابل، اعتبر آخرون أن الوصية تعكس قناعة راسخة لدى بعض مطربي المهرجانات بأن هذا اللون الغنائي غير مقبول دينيًا أو مجتمعيًا، وهو ما يعيد طرح السؤال:
هل المشكلة في الفن ذاته، أم في المحتوى؟
أغاني للفرح لا للإساءة
شحتة كاريكا دافع بقوة عن صديقه الراحل، مؤكدًا أن أحمد دقدق لم يكن يومًا صاحب رسائل سلبية، بل ركّز طوال مسيرته القصيرة على نشر الفرح والبهجة من خلال أغنيات خفيفة مثل «إخواتي» و*«لا لا»*.
وأضاف أن دقدق كان معروفًا بأخلاقه الطيبة، ومساعدته للآخرين، وحرصه على ترك أثر إنساني إيجابي قبل أي نجاح فني.
وقال كاريكا: “كان إنسانًا جميلًا، قلبه أبيض، وكل اللي عمله كان من باب إسعاد الناس”.
جدل متكرر في الوسط الفني
لا تعد هذه الواقعة الأولى من نوعها، فقد شهد الوسط الفني المصري حالات مشابهة، حيث أوصى بعض المطربين بحذف أعمالهم أو الاعتزال قبل الوفاة، ما يعكس أزمة أعمق تتعلق بنظرة المجتمع للفن الشعبي، وحدود القبول الديني له.
ويرى نقاد أن غياب الحوار الواضح حول الفن، ودوره، ومسؤوليته، يدفع بعض الفنانين إلى الشعور بالذنب، حتى لو كانت أعمالهم بعيدة عن الإساءة أو التحريض.
ذكرى شاب رحل مبكرًا
رحل أحمد دقدق دون أن يتزوج أو يترك أبناء، لكن اسمه عاد ليتصدر النقاش العام ليس فقط كمطرب مهرجانات، بل كحالة إنسانية فتحت بابًا واسعًا للأسئلة حول الفن، الإيمان، والموت.
وبين من يرى الفن رسالة حياة، ومن يعتبره عبئًا أخلاقيًا، تبقى قصة دقدق شاهدًا على صراع داخلي عاشه كثيرون في صمت، وتركوه سؤالًا مفتوحًا بعد الرحيل:
هل الفن ذنب يُمحى، أم أثر جميل يبقى؟
ويشير مختصون في الشأن الفني إلى أن الجدل المتجدد حول وصية أحمد دقدق يعكس حالة ارتباك مزمنة في العلاقة بين الفن والدين داخل المجتمعات العربية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفنون الشعبية أو غير التقليدية، مثل أغاني المهرجانات. فبينما ينظر جمهور واسع إلى هذه الأعمال بوصفها وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي ونشر البهجة، يتعامل معها آخرون باعتبارها خروجًا عن الإطار المقبول فنيًا أو أخلاقيًا.
ويرى نقاد أن تحميل الفنان مسؤولية دينية مطلقة عن كل ما يقدمه قد يؤدي إلى ضغط نفسي كبير، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات ثقافية تدعم الفنان وتؤطر عمله ضمن رؤية فنية واضحة. وفي حالات المرض أو الاقتراب من الموت، تتضاعف هذه الضغوط، فيميل البعض إلى مراجعة مسيرته من زاوية روحية بحتة، بعيدًا عن السياق الإنساني أو الفني.
من جهة أخرى، يؤكد باحثون في علم الاجتماع أن الفن، بمختلف أشكاله، يُعد جزءًا من الذاكرة الجماعية، وأن حذفه بعد وفاة صاحبه لا يمحو أثره الحقيقي، بل قد يزيد من حضوره الرمزي. كما يرون أن الجدل المتكرر حول “حرمانية الفن” يعكس حاجة ملحّة إلى نقاش مجتمعي أعمق حول دور الإبداع وحدوده، بدل اختزاله في ثنائية الحلال والحرام.
وبين هذه الآراء المتباينة، تبقى قصة أحمد دقدق نموذجًا مؤلمًا لشاب رحل مبكرًا، وترك وراءه فنًا أحبّه الناس، وأسئلة مفتوحة لم تجد إجابات حاسمة بعد.

