
كشفت صحيفة «دي تسايت» الألمانية عن أوباما خلال تحقيق صحفي حديث عن واحدة من أكثر القضايا الاستخباراتية حساسية في تاريخ العلاقات الألمانية–الأمريكية، إذ أفادت بأن جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND) قام على مدار سنوات بالتنصّت على مكالمات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أثناء وجوده على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان».
ويستند التحقيق إلى ما ورد في كتاب جديد للصحفي الألماني هولغر شتارك، يحمل عنوان
Das erwachsene Land. Deutschland ohne Amerika – eine historische Chance
(«الدولة البالغة: ألمانيا بدون أمريكا – فرصة تاريخية»)، والصادر مؤخرًا عن دار Propyläen Verlag، والذي يتناول تطور السياسة الألمانية واستقلاليتها عن النفوذ الأمريكي من زاوية تاريخية وأمنية.
استغلال ثغرات تقنية في الاتصالات الرئاسية
بحسب ما أورده الكتاب، فإن الاستخبارات الألمانية تمكنت من اعتراض الاتصالات الصادرة من طائرة «إير فورس وان» بسبب ضعف في تشفير بعض قنوات الاتصال المستخدمة في فترات سابقة، إضافة إلى امتلاك الجهاز الألماني معرفة مسبقة بترددات معينة كانت تُستخدم في الاتصالات الجوية الرئاسية.
وأشار التحقيق إلى أن هذه العمليات لم تكن ضمن التفويض القانوني الرسمي الممنوح لجهاز الاستخبارات الخارجية، إذ لم تكن الولايات المتحدة مدرجة ضمن قائمة الدول المستهدفة بعمليات التنصت، ما يجعل القضية شديدة الحساسية من الناحية القانونية والسياسية.
تداول محدود وإتلاف التسجيلات
ووفقًا للمعلومات التي كشفها الكتاب، فإن تفريغات المكالمات والتنصتات لم تُتداول على نطاق واسع داخل الجهاز، بل جرى حفظها ضمن دائرة ضيقة جدًا في مستويات قيادية عليا، قبل أن يتم إتلافها لاحقًا.
أما ما وصل إلى ديوان المستشارية الألمانية فلم يكن تسجيلات أو نصوصًا حرفية، بل خلاصات عامة لا تتضمن تفاصيل دقيقة عن مضمون المكالمات.
إيقاف العمليات في 2014
ويؤكد التحقيق أن هذه الممارسة الاستخباراتية توقفت رسميًا في عام 2014، بعد صدور أمر مباشر من رئيس ديوان المستشارية الألمانية آنذاك، وذلك في أعقاب تقارير أفادت بتنصت محتمل على اتصالات هيلاري كلينتون، التي كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية الأمريكية في تلك الفترة.
ويبدو أن اتساع دائرة المخاوف من التداعيات السياسية والدبلوماسية، خاصة في ظل توتر العلاقات الاستخباراتية بين برلين وواشنطن، كان عاملًا حاسمًا في اتخاذ قرار الإيقاف.
ميركل خارج دائرة العلم
ومن النقاط اللافتة في التحقيق أن المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، بحسب ما توصل إليه الصحفي هولغر شتارك، لم تكن على علم بعمليات التنصت التي نفذها جهاز الاستخبارات الخارجية ضد الاتصالات الأمريكية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء الأحداث التي شهدها عام 2013، عندما فجّرت تسريبات إدوارد سنودن فضيحة تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) على هاتف ميركل المحمول، وهو ما دفع المستشارة حينها إلى توجيه انتقادات علنية حادة لواشنطن، معتبرة أن “التجسس بين الأصدقاء أمر غير مقبول”.
حساسية سياسية مزدوجة
ويضع هذا الملف ألمانيا في موقف بالغ التعقيد، إذ يكشف عن ازدواجية حساسة في العلاقات الاستخباراتية بين الحليفين، حيث انتقدت برلين علنًا ممارسات التجسس الأمريكية، بينما كانت أجهزتها الاستخباراتية تمارس بدورها عمليات تنصت على أعلى مستوى في القيادة الأمريكية.
ويرى مراقبون أن ما ورد في الكتاب والتحقيق الصحفي لا يعكس فقط واقعة استخباراتية، بل يسلط الضوء على تحولات أعمق في التفكير الاستراتيجي الألماني، وعلى رغبة متزايدة داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية في برلين لإعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة، بعيدًا عن التبعية التقليدية التي سادت لعقود بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي ظل عودة النقاش الأوروبي حول الاستقلال الاستراتيجي، تأتي هذه التسريبات لتفتح صفحة جديدة من الأسئلة حول حدود الثقة بين الحلفاء، ودور الأجهزة الاستخباراتية في عالم تتقاطع فيه المصالح حتى بين أقرب الشركاء.



