أخباردراسات

في ذكر المولد النبوي..لماذا  أعجب برنارد شو بشخصية النبي محمد

شو لم يكن راضيًا عن فهم المسلمين لدينهم ..اعتبرهم شعوب مقهورة

 

كريمة حسن

من المعروف اعجاب الكاتب الايرلندي العالمي برنارد شو بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي عددها الصادر بتاريخ ديسمبر ١٩٨٩ أصدرت مؤسسة دار الهلال بالقاهرة كتاب ( الإسلام و برنارد شو ) للمؤلف محمود علي مراد وذلك ضمن سلسلة كتاب الهلال، وقد أعد الكاتب الكتاب ضمن رسالة الماجستير التي حصل عليها من جامعة جرنوبل الفرنسية.

 

كيف عرف برنارد شو الاسلام ونبيه

كتب برنارد شو الي سيدة من معارفه اسمها ( ليلى ما كارثي ) خطابًا بتاريخ ١٩ مارس سنة ١٩٠٩ ( نشر في الجزء الثاني من مجموعة رسائله الصادرة عن دار ( ماكس رينهارت ) البريطانية ، قال فيه إنه كان في تلك الأيام يقرأ القرآن يوميًا وأنه نجح اخيرًا بعد سنوات من الجهد في إقناع دار نشر ( افريمان ) بإصدار ترجمة ( رودويل ) للقرآن.

ويتضح من الخطاب أن برنارد شو لم يكتف بقراءة القرآن بل أنفق سنين في محاولة إقناع دار ( افريمان ) بإعادة نشر ترجمة ( رودويل ) ، ومن المعروف أن هذه الدار تصدر نسخًا شعبية بأجر زهيد . وهو ما لم يفعله شو مع كتاب آخر . ويرجح المؤلف أنه قرأ عن الاسلام ونبيه عددًا من الكتب التي وجدها في المكتبات التجارية وفي مكتبة المتحف البريطاني التي ظل عشر سنوات من شبابه يتردد عليها . ويرى المؤلف أنه كان يبني رأيه في الرسول لا على آراء المستشرقين بل على القرآن وما ورد فيه من صفات الرسول من توحيد واعتراف برسالات الأنبياء السابقين وحث على العفة والعدل والرحمة والإنفاق في أغراض الخير والعمل الصالح واحترام أرواح الناس وأعراضهم وثورة على الظلم.

يقول المؤلف لم يكتب برنارد شو عن الإسلام أو عن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم كتابا أو فصولا أو مقالات اوحتى فصلًا أو مقالًا واحدًا متصلًا وانما هي شذرات متفرقة في عديد من مسرحياته وفي مقدمات بعض المسرحيات سطر هنا وكلمة هناك ، عبارة ترد على لسان شخصية من الشخصيات أو ذكر لإسم الرسول ( ص ) ضمن أسماء شخصيات أخرى ، إشارات عابرة في مجموع أعماله لو جمعت لما تجاوزت صفحات قليلة .

ومع ذلك فإن محمد ( ص ) موجود في كل مكان في عالم برنارد شو موجود في الظاهر أو في الخلفية وموجود بالرمز في عدد من الشخصيات التي بنيت حولها بعض مسرحياته.

لقد ذكر شو مرة أنه فكر في كتابة مسرحية عن محمد لكنه عدل عن تنفيذ هذه الفكرة حين قيل له أن ذلك قد يغضب تركيا التي كانت حليفة لانجلترا ذلك الوقت وأن الرقيب سيمنع عرض المسرحية إن هو كتبها.

عدل شو إذن عن تأليف مسرحية عن محمد ولكنه لم يعدل عن إبداء إعجابه طولا وعرضا في أعماله فعل ذلك بوسائل مختلفة بعضها صريح ومباشر وبعضها خفي .

شو كان في بداية حياته مفتونا بشخصية محمد وأنه ظل مفتونا بها إلى آخر عمره الطويل وإن كل قراءاته الموسوعية وكل تجارب حياته واطلاعه على مختلف فروع العلم ومتابعته لأحوال العالم وانفعاله بها لم تغير من شعوره نحو شخص الرسول بل زادته إجلالا له واعحابا به.

يقول الكاتب نستطيع أن نقول بصفة مبدئية أن الأمور التي جعلت برنارد شو يعجب بشخصية النبي العربي هي كره الرسول ( صلى الله عليه سلم ) لأشياء يكرهها هو واتفاق مذهبه صلوات الله عليه في الإصلاح مع مذهبه .

هو مثلا كان يكره أخلاق المجتمع الغربي وما فيها من نفاق وانانية وقسوة ومادية ، وكان يجد صدى لذلك عند محمد ( ص).

وكان يكره الطريقة التي يفهم بها الغرب المسيحي رسالة المسيح عليه السلام ويستخدم بها الديانة المسيحية لخدمة أغراض لا تمت إلى المسيحية بسبب ، وكان يشارك فهم محمد للمسيح باعتباره نبيا لا آلها .

وكان يكره استعباد المال للناس ويحب الإشتراكية – وإشتراكية السيد المسيح بوجه خاص – وكان يرى في دين محمد عليه السلام تأييداً لمذهبه في ذلك.

يتسائل المؤلف هل معنى هذا أن شو كان راضيًا عن فهم المسلمين لدينهم وعن طريقة تطبيقهم لأحكامه؟

الذي يتضح من بعض كتاباته أنه لم يكن راضيًا عنها وأنه لو تعرض للإسلام الشعبي لنقده نقدًا شبيهًا بنقده لما كان يسميه المسيحية الشعبية ولكنه لم يفعل ذلك ولم يبد رأيه في أحوال المسلمين إلا قليلًا وسريعًا.

يرى المؤلف أن الذي جعل برنارد يمسك عن نقد المسلمين في حاضرهم وماضيهم هو عطفه على المظلوم ، لقد كان يعطف على المسلمين كما كان يعطف على غيرهم من الشعوب المقهورة المستعمرة . وكان يرى أنهم مهما كانت سيئاتهم مجني عليهم لا جناة ، وإن الجاني الحقيقي هو الغرب وبريطانيا بوجه خاص.

ويلاحظ أن شو كان يفضل أن يذكر محاسن المسلمين على أن يذكر سيئاتهم وكان له موقف مشهور في قضية دنشواي المصرية وقال في وصف ظلم المحتل البريطاني المتمثل في هذه القضية كل ما قاله المصريون بل وأكثر مما قالوه فقد كانت ظروف الاحتلال تمنع الأقلام المصرية من التعبير الحر وتحد حتى من حرية المحامين.

يستطرد المؤلف : لقد كان فضل برنارد شو في إدراك عظمة الإسلام وعظمة نبيه الكريم كبيرًا فقد اهتدى إلى نواحي العظمة فيها وتصدي للدفاع عنهما في وقت كان الجانب الأكبر من العالم العربي والإسلامي فيه مستعمرا أو محتلا قد تسلطت عليه بالقهر والاستغلال أكثر من دولة من الدول الغربية ولم تحجب هزيمة المسلمين وظاهر ضعفهم أمام الغرب حقيقة الإسلام عنه كما حجبتها عن غالبية كتاب الغرب ومستشرقين بل كان شأنه في ذلك شأن جوته والشاعر شيلي وكارليل وغيرهم والي مدي أبعد ممن اكتشفوا إمكانيات هذا الدين باعتباره رسالة عظمى تهدف إلى إصلاح حال الإنسانية كلها والي علاج ادوائها الرئيسية.

يتابع المؤلف : إن خوف الرقابة لم يكن العامل الوحيد الذي جعل مؤلفنا يعدل عن فكرة كتابة مسرحية عن محمد صلى الله عليه وسلم وإنما كانت هناك اعتبارات أخرى مثل احترامه لمشاعر المسلمين الذين يكرهون أن يظهر نبيهم كبطل أو شخصية في مسرحية حتى إذا لم يكن فيها تجريح له وإذا كان مؤلفها لا يبغي من كتابتها سوى الإشادة به والثناء عليه.

يقول المؤلف أن لدي الإنجليز والغربيين بصفة عامة حساسية خاصة فيما يتعلق بالاسلام تجعلهم لا يطيقون كثيرًا أن يذكر الإسلام ونبيه أمامهم بخير فلديهم آراء بشأن الإسلام تبدو لهم منطقية تعلموها ونشأوا عليها وورثوها عن آبائهم وأجدادهم ، فهم يرون الاسلام دين متأخر بدليل ضعف دوله وتأخر شعوبه وهو دين حرب وسيف وينتقدون تعدد زوجات الرسول وأن دينه على أحسن الفروض يصلح فقط للعرب في شبه الجزيرة ، وكان شو يخالف هذا كله وحين فكر في تأليف مسرحية عن محمد صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يتخذ منها وسيلة لتصحيح هذه الأفكار الخاطئة ولكن شو وجد أن القارئ الانجليزي ليس في حالة نفسية وذهنية تسمح له بتلقي هذا الدرس إذا القى عليه بصورة صريحة مباشرة مما دفع شو الى التحايل والرمزية في مسرحياته وتتمثل في أنه كان يخفي وراء المعنى الظاهر للمسرحية أو لأشخاصها معنى باطنًا ويترك لحصافة القارئ والمشاهد أن يفهموا الرمز والمعنى المستتر ، ولو أن شو كتب المسرحية التي كان يفكر في كتابتها عن محمد واكتفى لما تسنى له أن يحقق من النتائج كل ما حققه من عملية ( الالتفاف ) الواسعة النطاق حول الرقابة والقراء الإنجليز الذين يكرهون محمدا والإسلام او يسيئون الظن بهما.

تحدث المؤلف عن محمد صلي الله عليه وسلم في مسرحية قيصر وكليوباترا مشيرا أن قيصر المسرحية إنما يرمز الى محمد ، وكانت صورة قيصر في المسرحية هي صورة رجل عظيم سواء في صفاته العامة أو في صفاته الخاصة وأما جنود قيصر فإن إيمانهم بعظمته هو الذي جعلهم يستهينون بالموت ويكسبون المعارك.

يرى المؤلف أن مسرحية قيصر وكليوباترا واحدة من مسرحيات عديدة كتبها برنارد شو بالرمز عن نبي الإسلام وعن رسالته صلوات الله عليه حيث قيصر المسرحية يختلف عن قيصر التاريخي وصورته تختلف اختلافا بينا عن الصورة المثالية التي رسمها له برنارد .

>> راي برنارد شو في محمد صلى الله عليه وسلم

كتب برنارد شو في مقدمة مسرحية ( أبله الجزر غير المتوقعة : ( محمد واحد من أعظم أنبياء الله ) ، ولخص شو فيها رأيه في نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام بصورة قاطعة حاسمة لا تقبل اللبس.

ومن جهة أخرى كتب ( هسكس بيرسون ) مؤلف أشهر ترجمة لبرنارد شو هذه السطور ( كان برنارد شو لسنوات عديدة يفكر في كتابة مسرحية عن أحد الانبياء وكان نوع القديسين المناضلين أقرب لطبيعته من اي نوع آخر وهو نوع كان يتعاطف معه تعاطفًا كاملًا ، والشخص الوحيد في التاريخ كله الذي كانت تتوافر فيه شروطه والذي كان يمكن أن يكون بطل شو الكامل هو محمد .

وفي المسرحية انتقد شو الحضارتين الإغريقية والرومانية وهما من أهم أسس الحضارة المسيطرة في العالم في العصر الحديث وهي الحضارة الغربية ثم انتقد الحضارة الغربية ذاتها وكانت هذه المرحلة الأولى ، ثم وصف محمد ص تحت اسم قيصر من الجوانب التي أراد إبرازها باعتباره تجسيد للإسلام وكانت هذه هي المرحلة الثانية واخيرا رد على بعض المطاعن التي وجهت إليه وكانت هذه هي المرحلة الثالثة، اما أسس الاسلام ذاتها فقد ترك للقارئ الذي يهمه الأمر أن يرجع إليها في ترجمة القرآن أو في غيرها من المراجع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى